حسن حنفي
44
من العقيدة إلى الثورة
بالعقل البشرى وإلى الاعتراف بالطبيعة والفطرة . فإذا كان العقل والطبيعة قادرين على هداية الانسان فما الحاجة إلى النبوة « 73 » ؟ وقد تقوم الاستحالة العقلية على تحسين العقل وتقبيحه . فما حسنه العقل يفعل وما قبحه العقل يترك ، وما لم يحكم فيه العقل بحسن أو بقبح يفعل عند الحاجة ، ويترك عند عدمها . فالعقل والطبيعة هما أساس الحكم على الأشياء . بل إن العقل قادر على الوصول إلى التكليف وإلى الواجبات العقلية ومنها شكر المنعم والعوض عن الايلام بلا استحقاق مثل ايلام البهائم عند الذبح . وقد تستعمل قاعدة الحسن والقبح العقليين كحجة جدلية لاثبات استحالة النبوة عقلا . فاما أن يكون النبي مستدركا بالعقل أم لا . فإن كان الأول فلا فائدة من انبعاثه وان كان ضد العقل فلا يمكن قبوله . وقد أكمل الله العقول ، وجعلها قادرة على ادراك الحسن والقبح والتمييز بينهما ، وجعلها دليلا على الخالق ومرشدا لمصالح الخلق منعا للظلم ووسيلة للعلم . فلا حاجة للنبوة في وجود العقل . وان أتت متفقة مع العقل فهي إضافة زائدة لا لزوم لها ولا غاية ، وان أتت مخالفة له فلا يمكن قبولها لما كان العقل هو الأساس « 74 » .
--> ( 73 ) قالت البراهمة ان في العقل مندوحة عن البعثة ، المواقف ص 344 ، ما حكم العقل بحسنه يفعل وما حكم بتقبيحه يترك وما لم يحكم فيه بحسن ولا قبح يفعل عند الحاجة لان الحاجة ناجزة ولا يعارضها مجرد الاحتمال ويترك عند عدمها للاحتياط ، أنكرت البراهمة النبوات ومجدوها عقلا ، وأحالوا انبعاث بشر رسلا ، يقولون بالتوحيد على قولنا الا أنهم أنكروا النبوات ، الفصل ج 1 ص 55 ، التمهيد ص 121 - 122 ، أنكروا النبوات والشرائع ، وأثبتوا تكليف المعرفة من جهة خواطر العقول ، وزعموا أن الله انما كلف العباد وأن يعرفوه بعقولهم وأن يشكروه على نعمه وأنه لا يظلم بعضهم بعضا ، وحرموا ذبح البهائم وايلامها بلا ذنب وقالوا إن ايلام الله لها في الدنيا لأجل عوض يوصل إليها في الآخرة ، الأصول ص 323 ، النظامية ص 47 - 48 . ( 74 ) الله أكمل العقول وحسن فيها الحسن وقبح فيها القبيح وجعلها دلالة على مراشد الخلق ومصالحهم ومنع بها من التظالم وجعلها